مصر تتغير من جديد
كتبهاعبدالله كمال ، في 21 فبراير 2009 الساعة: 20:46 م
المقال الافتتاحى لمجله روزاليوسف
بتاريخ 21 فبراير 2009
==========================
بقلم : عبدالله كمال
www.abkamal.net
فى الفترة ما بين فبراير 2005 حتى نهاية العام الماضى (2008)، كانت مصر قد تغيرت كثيرا عما قبل ذلك، تلك الفترة التى بدأت بالإعلان عن التعديل الدستورى الأول والأهم والتاريخى ..الذى جعل اختيار الرئيس عبر (الانتخاب الحر المباشر) بين أكثر من مرشح .. منهيا عصر الاستفتاء .. فى تعديل - لو كان البعض قد نسى - هو الأول من نوعه وتأثيره وشكله ومضمونه منذ أسس مينا الدولة المصرية الموحدة.
تغيرت مصر بتعديلات قانونية متنوعة، أسست لها تعديلات دستورية تلت التعديل الأول، هى الأكبر والأضخم منذ عام 1971، وشهدت حراكا سياسيا أخذ شكلا قاسيا حينا وساخنا غالبا، واختبرت قدرة الدولة وقوتها، وظهرت على الساحة قوى جديدة وتيارات متنوعة، واستقوت قوى كلاسيكية وتخيلت أنها ستكون قادرة على أن تختطف ثمرة الإصلاح .. وعرفت مصر صورا متنوعة من التفاعل الديموقراطى، الذى كاد يقود إلى الفوضى فى أوقات مختلفة .. لولا حماية الله ويقظة إدارة الحراك.
ولايمكن القول أن تلك الفترة الصاخبة، التى دعت البعض للقلق على مستقبل البلد فى أوقات كثيرة، إذ لم يكونوا مطمئنين إلى ثباتها فى مواجهة الأنواء - وبمن فى ذلك بعض المسئولين - لايمكن القول إنها قد تلاشت فجأة وانتهت فى لحظة .. وإنما هى أخذت وقتا فى التدرج إلى الانزواء .. بعد أن تركت بقايا من نتائجها وإفرازاتها .. بعضها سوف يزول بالفعل بمضى مزيد من الوقت .. وبعضها سوف يبقى لفترة طويلة ويتم البناء عليه .. خاصة التطبيق الدستورى والديموقراطى للحق فى حرية التعبير بأساليبه المختلفة.
مرحلة المولد
استفدنا دروسا، وخلصنا إلى نتائج، واستوعبنا قيما، جرب بعضنا الشتم، واختبر قدرة الحاكم على أن يتعرض لأقسى أنواع النقد وبما فى ذلك غير الموضوعى منه، بل وقليل الأدب أحيانا، ودعا البعض إلى اعتصامات وعصيانات وإضرابات، وكانت تلك مناسبات جيدة لكى يعرف الجمهور الفرق بين الديموقراطية والفوضى .. وأن الحق يقابله واجب.. وأن الناخب هو دافع ضرائب أيضا .. والأهم أن الناس فرزوا بين الأصيلين والمقلدين وبين الذين يريدون أن يخدموه وبين الذين يريدون أن يخدعوه .. بين الوطنيين والتابعين .. بين من لديهم ومن ليس عندهم أى شىء على الإطلاق سوى الكلام الفارغ والشعار التائه.
تلك كانت مرحلة (اللاسياسة)، مرحلة فتح المرجل .. واحتمال مواجهة البخار المتصاعد من كتمانه، حيث كان يعتمل على ما فيه لسنوات طويلة، مرحلة كانت تلسع المجتمع خلالها بعض المزايدات .. وكثير من الانفعالات والافتعالات .. تموجات متنوعة بلاسقف .. تختبر جدية المناخ الجديد ومصداقيته وأيضا قدرته.
وهى مرحلة قياس موازين القوى، ولا أقول تفاوض عاقل وناضج، كل فئة كانت تريد أن تحتجز لها مكانا على المائدة، وتقول أنا هنا، بغض النظر عن قوى كانت تريد عمليا الاستيلاء على المائدة كلها واحتكارها، وقد ظهرت على الساحة مجموعات من بضعة أفراد تريد أن تقيم لها وزنا وهى لاتساوى قشة، وتراجعت إلى الوراء قوى ضخمة لم يكن لها نفس التأثير بسبب ضعف الصخب الذى تحدثه .. فالصخب كان معيارا زائفا لمواقع وقيمة التيارات والفئات والمجموعات السياسية . وقد كانت تلك هى مرحلة المولد المفتوح، الذى تواجد فيه كل من هب ودب، ومورست فيه كل الألعاب، فرقع البعض (بمبا)، ونفخ البعض نارا، واستعرض البعض عضلاته، وخرج البعض فى زفة، ووزع البعض مالا، وهتف البعض مناديا على ولى غائب، وشهد المولد تحرشات .. ولصوصية .. واحتيالا.. وخديعة.. وكان فيه من تصور أن (صاحبه غايب).. أى المولد .. وكان فيه أيضا من قال إن (اللمبة على بطنها تنور) !!!
مرحلة المسرح
الآن، نحن دخلنا مرحلة المسرح الكبير .. والمفتوح .. وإن كان المولد لم ينفض بصفة نهائية .. وهناك فرق بالطبع بين المولد والمسرح .. المولد فوضى .. والمسرح له قواعد .. المولد مرتع والمسرح ميدان .. المولد مستنقع والمسرح نهر جارٍ.. المولد صخب بلا سياق .. والمسرح لابد للأوبرا فيه أن تعزف وفق نوتة منسقة . كتبت من قبل، وفى صيف 2006، عنوانا عريضا على روزاليوسف نصه (مصر اتغيرت).. ومع بدايات 2009 أكتب الآن إن مصر تتغير من جديد.. خصائصها لن تكون كسابقتها .. وستمضى إلى أفق ممايز ومناقض لما كانت عليه الأحوال .. دون أن ننفى وجود بقايا من ظواهر المرحلة السابقة.
مرحلة جديدة من التغيير .. لا أقصد بها أسماء أو تشكيلات أو قائمة وظائف ومواقع .. لا أعنى فيها تغييرا وزاريا أو صحفيا أو حزبيا أو غير ذلك من المتشابهات .. مرحلة تشهد مناخا آخر .. بعد أن أخضع الناس كل المتفاعلين على الساحة للتقييم .. مرحلة لم يسع إليها أحد.. ولكنها تفرض نفسها وفق متغيرات طرأت .. لها علاقة بالحراك المصرى .. ولها علاقة بالصراع الإقليمى .. ولها علاقة بالأوضاع الدولية الجديدة . إن أهمية تلك المرحلة فى أنها لم تنشأ تالية لقرار، أو خطوة مؤثرة ومفجرة، إنما نتجت بشكل طبيعى كمحصلة لما سبق، ولعوامل أخرى، وأمامنا على الأقل أربعة أمور بوقوعها فإنها بلورت بداية المرحلة الجديدة وتسببت فيها .. وهى كما يلى :
1- النتائج الداخلية لأزمة غزة .
2- نتائج انتخابات نادى القضاة.
3- التحول فى أداء حزب الأغلبية.
4- التغيير الحادث فى الولايات المتحدة.
5- الأزمة الاقتصادية الدولية .
وإذا كانت تلك عناوين إجمالية .. فإننى فيما يلى أشرح أسبابى بالتفصيل :
الانتباه للخطر
أظهرت أزمة غزة، كعدوان إسرائيلى وكتموجات إقليمية وكحرب سياسية وإعلامية علينا، أظهرت للرأى العام فى مصر حقيقة التحديات التى يواجهها البلد، وسط صراع إقليمى طاحن، تشابكت فيه أجندات الدول ومطامع العصابات، مع مخططات معلنة وخفية .. ما أدى إلى إحساس الناس بأن هناك خطرا حقيقيا لابد من الانتباه له .. والاحتشاد ضده. لقد بدا مصطلح (الأمن القومى المصرى) أكثر تداولا بين الفئات المختلفة من الرأى العام، أكثر من ذى قبل، وصارت هناك تساؤلات مطروحة فى عمق مفاهيم السياسة الخارجية، وتبلورت أمام الجميع خصائص الموقف .. لاسيما حين دُفعت دول عربية وأخرى دخيلة على الإقليم فى اتجاه الطعن الدامى فى جسد دور مصر.
ومن ثم فإن الاهتمام بالملف الخارجى عاد ليكون فى صدارة الانتباه العام، بعد أن كان قد تراجع، لصالح انكفاء داخلى .. أصرت عليه قوى سياسية بعينها .. ووسائل إعلام خاصة .. إلى أن وقع الانفجار الكبير فى غزة فانتبه المصريون إلى حقيقة الأخطار المحدقة من اتجاهات متنوعة .
هذه ظاهرة عريضة فى مسألة غزة، تفرعت عنها مسألة مهمة جدا .. وهى أن الأزمة أظهرت مدى مصداقية ولاء جماعات سياسية مصرية، وشخصيات عامة عديدة، للأجندة الوطنية والمصالح المصرية .. وقد حرقت نار غزة الكثيرين فى عيون الرأى العام .. وانتبه الناس إلى أن هناك من هو مستعد لأن يضحى بالمصالح المصرية مقابل أن يحقق مكسبا سياسيا تافها وغير مضمون .. ومن يمكن أن يعقد تحالفات مع خصوم البلد - ولا أقول أعداءه - مقابل أن يسبب خسائر للإدارة يتصور أنها سوف تصب فى منافعه .
انكشاف الجماعة
خلاصة تلك الأزمة، لجهة تأثيرها على التفاعل السياسى الداخلى، أنها كشفت بالتحديد (جماعة الإخوان المسلمين) المحظورة بحكم القانون .. وحرقت مواقفها .. وأظهرتها فى الجانب الذى يساند خصوم مصر .. وأنها صاحبة مشروع غير ديموقراطى .. وأنها مستعدة لأن تتخلى عن ثوابت مذهبها السنى لصالح التشيع السياسى .. والقبول بتحالف مع الفُرس .. والرضا بأفعال حركة حماس المقيتة .. وترديد الأكاذيب حول الدور المصرى .. والطعن فى البلد حتى لو أدى ذلك إلى خسرانها على مستوى الأمن القومى .
إن (الإخوان) إجمالا جماعة مكشوفة، وليست لها مصداقية، ولكنها تمكنت فى السنوات الثلاث الماضية من أن تثير لغطا، ودعاية، نجحت فى أن تثير فى أذهان الناس تساؤلات، ما دفع البعض حتى لأن يطرحهم بديلا .. ومعارضة يمكن أن تحكم هذا البلد فى يوم من الأيام .. وهو كلام تردد فى مقالات وبرامج ودراسات .. وبما فى ذلك فى وسائل إعلام دولية .. ومراكز أبحاث مرموقة فى أوروبا والولايات المتحدة .
وقد خضعت الجماعة المحظورة لاختبارات عدة فى السنوات الماضية، وكان أن سقطت كثيرا لولا الدعاية الكثيفة والتواطؤ الذى مارسه الإعلام الخاص تحديدا والخارجى عموما، ولاسيما حين انكشفت تماما بعد أن طرحت برنامجها السياسى لمشروع الحزب .. وواجهت أسئلة صعبة لم تجد إجابة عنها وتفجرت المواقف الداخلية فيها .. وتصارعت قياداتها على أنصبة الشهرة .. لكن كل هذا ظل صداه نخبويا .. بينما هناك تراث من الخديعة كان لم يزل له تأثير فى قطاعات من الناس .
أزمة غزة أماطت اللثام تماما عن جماعة الإخوان .. كشفت أنها مشاركة فى مؤامرة على البلد .. أظهرتها على حقيقتها للناس .. بدون أن يقودهم إلى ذلك أحد.. الاستفهامات طرحت نفسها فى ذهن الرأى العام .. وكانت الإجابات كافية لإقصاء هؤلاء من الساحة بحكم أفعالهم .. ففقدوا ما تبقى فى وعاء الدعاية الخادعة.
أهمية ذلك تكمن فى أن الجماعة كانت تقدم باعتبارها القوة السياسية القادرة على تحريك الناس .. والفئة التى يمكن أن تطرح بديلا .. وليس غريبا أن تجد الآن من يقول من المعارضين إن (إدارة الحكم) استخدمت الإخوان كفزاعة للغرب وللتغيير الديموقراطى فى مصر .. هذه المقولة ليست انتقادا لإدارة الحكم وإلصاق تهمة بها ليست فيها .. ولكنها محاولة عكسية للتملص من الإخوان .. والابتعاد عنهم بكل ما فيهم من سوءات سياسية وعقيدية .. وسوءات تتعلق بالشرف الوطنى أيضا . هذا متغير حيوى فى المرحلة الجديدة من التغيير فى البلد.
انتخابات القضاة
انتخابات نادى القضاة كانت بدورها عاملا جديدا فى تشكيل بداية المرحلة الجديدة .. فعلى الرغم من أن النادى ليس مؤسسة سياسية .. إلا أنه قُدم فى الأعوام الماضية على أنه منبر ذو طبيعة سياسية .. وظهرت فى ساحته تفاعلات وشخصيات تبنت موقف المعارضة الصارخة لنظام الحكم .. وعومل فى الأزمة الشهيرة فى 2006 على أنه الكتلة التى يمكن أن تقود تغييرا جذريا فى البلد .. باعتبار القضاة نخبة مؤثرين ومثقفين .. وكان النادى ساحة لمن تصوروا أنهم زعماء سياسيون أكثر من كونهم قضاة .
لقد انعكست الحالة المثيرة للجدل من واقع النادى على مجريات المؤسسة التى تمثل السلطة الثالثة فى نظام الحكم المصرى .. وصنع البعض منها انشقاقا بين اتجاهين فى القضاة.
الأول مدافع عن تقاليد المؤسسة وقيمها غير المشتبكة مع الواقع السياسى والمستقلة عن تفاعلات وصراعات الأحزاب والتيارات .. التى تلتزم حيادا إيجابيا بين الأطراف، كما لو أنهم متنازعون فى قضية وهى الحكم بينهم.. وتطبق مجموعة من القواعد ومحددات السلوك التى توجب على القاضى ألا يتحول إلى شخصية عامة يثور حولها الجدل وتُخضع آراءها للتقييم والمبارزة .. فضلا عن أن عليه ألا يكون متشابكا مع صخب الإعلام والندوات والمؤتمرات السياسية.
والثانى اتجاه غير حريص على تلك القيم، يتعامل مع الدولة باعتباره معارضا لها، ويشتبك فى التفاعلات، ويقدم نفسه على أنه زعيم للتغيير، فى خصومة مع المؤسسات الرسمية، وليس لديه مانع من أن يعلن موقفه السياسى، غير عابئ بأن هذا يؤثر فى مدى الثقة فى أحكامه، ولا يبالى بأى من قيم المؤسسة القضائية التليدة حين يضع نفسه فى موضع التساؤلات بالمشاركة فى فعاليات سياسية والإدلاء بحوارات وتصريحات يبين فيها أنه ينحاز للأبيض أو للأسود.
وقد كان الكثيرون يقدرون أن الاتجاه الأول هو أغلبية القضاة، والتيار الأشمل بينهم، وأن الظروف التى أدت إلى وصول التيار الثانى إلى نادى القضاة وتحويله إلى منبر شبه حزبى ومعارض كامل، إنما يجب أن تتغير، وكان الكثيرون يقدرون أن لحظة الفرز قادمة .. وقد جاءت فى الأسبوع الماضى .. فسقط ممثلو التيار الثانى فى الانتخابات سقوطا مدويا .
لست هنا بصدد التعليق على ما قيل عقب ظهور النتائج، والتطاولات الإعلامية والصحفية التى ادعت أن الحكومة قد اشترت القضاة لكى يطيحوا بما كان يسمى (تيار الاستقلال) مقابل فوز (تيار التغيير) .. فأنا أربأ بقضاة مصر عن هذا اللغو .. ولكننى أجد فيما حدث فى تلك الانتخابات دليلا أكيدا على المرحلة التى نتحدث عنها فى مسار التغيير فى مصر .. بفقدان المعارضة الصوتية لواحد من أهم المنابر التى لم يكن على أحد أن يترك لهم تحويل طبيعتها .
فيما مضى كان هناك من يقارن بين دور نادى القضاة فى الحراك السياسى وبين دور نادى الضباط فى تفجير ثورة يوليو 1952 .. وعوملت بعض المظاهر السياسية للنادى على أنها مؤشرات حقيقية على عصر جديد يقوده قضاة النادى .. وكتبت نظريات فى أن تلك هى النخبة التى سوف تقود مصر إلى زمن آخر .. وحين جاءت لحظة الفرز فإن قضاة مصر - وليس النادى - كانت لهم كلمة أخرى ..مؤداها أنه يجب ألا يكون القضاء متورطا فى الصراع السياسى .
هجوم الأغلبية
العامل الثالث يتعلق بالسلوك السياسى الجديد للحزب الحاكم، أى الحزب الوطنى، صاحب الأغلبية، انطلاقا من مؤتمره السنوى الأخير فى نوفمبر الماضى .. حين اعتمد منهجا مختلفا فى الأداء السياسى يقوم على (الهجوم) و(المبادرة)، ولايلتزم السكون .. والدفاع فى مواجهة حملات مستمرة طالته وطالت قياداته ومناهجه خلال السنوات الثلاث الماضية وعلى نطاق واسع. اللغة فى حد ذاتها اختلفت، والطريقة صارت متمايزة عما كانت عليه الأمور من قبل، وأصبح حزب الأغلبية خارج خندق صد الهجوم .. والتقوقع فى مواجهة سيل من الاتهامات لايتوقف من جانب القوى الأخرى ..سواء يسارية أو متأسلمة .. أو حتى القوى التى يمكن أن تحسب على اليمين .
لقد أعطى صمت الحزب طيلة السنوات التى تلت الانتخابات البرلمانية فى عام 2005 فرصة لفئات من المعارضة غير المنظمة وغير القانونية لكى توحى بأنه كيان مهتز وغير قادر على أن يقوم بدوره .. وأنه إذا ماخاض الانتخابات فى أى وقت فسوف يخسر بالتأكيد .. وبقى على المهاجمين له أن يوفروا البديل .. ومن ثم بدأ الكثيرون فى طرح الرؤى والتصورات حول البدائل .
وإذا كان التحول فى المنهج هو نتاج المؤتمر السنوى الأخير، فإن هذا النتاج كان نابعا من قواعد وقيادات صغيرة ووسيطة، كانت تدفع إلى أعلى رغبتها فى الاشتباك .. وإصرارها على المواجهة السياسية فى إطار القانون .. وأنه يجب ألا يصمتوا أمام الادعاء بأن كل عضوية الحزب هى من الفاسدين والمنتفعين وأصحاب المصالح . المؤكد أن التغييرات التى جرت على بنية العضوية، نتيجة لانضمام عدد كبير من الشباب إلى وحدات الحزب، والعملية التنظيمية التى تطورت خلال الفترة الماضية كاشفة عن قيادات مختلفة، مع ثبوت جدوى خيارات الحزب السياسية والاقتصادية، والتطور الذى طرأ على الأداء البرلمانى، مع ضغوط النواب الذين يواجهون تنافسا شرسا فى دوائرهم .. كل هذا أدى إلى انتصار الاتجاه الراغب فى أن تكون له المبادرة فى التفاعل السياسى وأنه لا يجب الصمت على الهجوم المتواصل من التيارات الأخرى .
هذه اللغة المتميزة بالرغبة فى المواجهة، والأداء الهجومى، دفع قوى أخرى كانت تظن أن الساحة خالية إلى التفكير مرات قبل أن تقوم بما كانت تقوم به من قبل على الساحة السياسية .. وأصبح عليها أن تتوقع أن تجد الحزب صاحب الأغلبية متواجدا فى مواقع الاحتياج الاجتماعى التى تحولت لأسباب مفهومة إلى مواقع للتنافس السياسى .. كما صار عليها أن تواجه المطارحة الأيديولوجية فى المجالات الاقتصادية .. حيث انكشفت لأنها لاتقدم بديلا حقيقيا ومقنعا للناس .
ومن المؤكد أن هذا التحول فى أداء الحزب الوطنى لم يكتمل، وباليقين فإن بنيان الحزب كله لايقوم بالتفاعل بنفس الدرجة المتوقعة، لكن المهم هنا هو أن ذلك المنهج .. وعوامل أخرى . أدى إلى عدم تجاهل الحزب الأكبر عربيا فى احتساب أرقام المعادلات .. والتعامل معه وفق حجمه المفترض .. ففى كثير من الأحيان كان هناك محللون وسياسيون يقيمون الأمور على أن الحزب غير موجود.
رحيل بوش
إذا ما انتقلنا مجددا إلى العوامل الخارجية، فلابد أن نضع فى الاعتبار وصول الرئيس الديموقراطى الأسود باراك أوباما إلى البيت الأبيض فى 20 يناير الماضى .. وخروج الرئيس الأمريكى السابق بوش الذى كان سيخرج فى كل الأحوال .. لكنه لم يترك فى موقعه رئيسا له نفس النهج وذات الأيديولوجية التى تسببت فى مشكلات عديدة حول العالم خلال السنوات الثمانى الماضية .. ولاسيما بعد غزو العراق فى عام 2003 .
ليست المشكلة فى أن الذى مضى كان ضاغطا وصارما ضد الأنظمة، والتالى سيكون متساهلا مع إدارات الدول، لا الأولى صحيحة على إطلاقها، ولا الثانية صائبة فى مجملها .. وإنما المشكلة فى الحالة التى اختلقها بوش .. والحالة التى يتوقع أن تؤدى إليها أساليب أوباما. لقد كان بوش، ومعه فريق المحافظين الجدد، الراغبين فى إحداث تغيير قسرى فى دول المنطقة بُعيد إتمامهم لغزو العراق، يمارسون أعنف أساليب الضغوط من أجل تحقيق عناوين مجموعة من الخطط التى قصدت ليس فقط إحداث تحولات جوهرية فى الدول .. وإنما أيضا إحداث تحول فى الجغرافية السياسية .. وفى واقع الاستقرار الإقليمى والمحلى .. بدءا من (مشروع الشرق الأوسط الكبير).. ومفهوم (الفوضى الخلاقة) .. وبرامج (نشر الديموقراطية).
لم تفلح ضغوط بوش فى أى وقت، ولم تنجح إدارته فى أن تحقق أى شىء بالأمر، حتى حين أدى هذا إلى اقتطاع من قيمة المعونات الأمريكية لمصر لأسباب مختلفة، لكن الحالة التى اختلقها أدت إلى أمرين :
- الأول : هو نشوء فئة جديدة من المستفيدين من برامج تلك الإدارة وتمويلاتها .. تعتمد أجنداتها على ما يملى عليها من واشنطن .. وتفتقد إلى الولاء الوطنى أو الإخلاص للبلد فى أنشطتها .. تلك التى حولت العمل التطوعى والنشاط الحقوقى إلى وسيلة للارتزاق وتكوين الثروات وابتداع الدور السياسى الذى لا أصل له.
- الثانى : أن عددا من السياسيين المعارضين كانوا يعتقدون أن موقف الإدارة المناقض للدول الشرق أوسطية وبما فى ذلك مصر .. يكفى لأن يجعلهم مستندين إلى تعضيد خارجى ومساندة أمريكية تعطيهم الحق فى تجاوز القانون .. ومخالفته .. ثم الصراخ طلبا للعون من واشنطن التى سرعان ما تكتب وتتكلم وتصرح .. صحيح أنها لم تكن تجد أذنا صاغية .. لكن هذا كان يعطى أولئك طاقة من نوع ما .. فضلا عن أنه وضع خلق غصة فيما بين القاهرة وواشنطن لم يكن من الممكن تجاوزها رغم المصالح المتشابكة بين الحلفاء.
ولايمكن أن نتوقع من الرئيس أوباما أن يتخلى عن دعم الديموقراطية والإصلاح، والمطالبة بها، فهى أساسية فى ثوابت الحزب الديموقراطى، الملتزم دوما بنهج حقوق الإنسان ومبادئه، ولكن تلك الإدارة تختلف فى أسلوبها ومنهجها .. ولايعتقد أنها تميل إلى استخدام الأساليب القسرية فى مساعدة الدول على أن تتطور .. ولايتوقع أنها أن تمارس تدخلا فى شئون الآخرين .. بقدر ما سوف تكون محفزة ومعاونة.
والأهم، الذى علينا أن نترقب مؤشراته، أن برامج الإدارة القديمة، وما كان يقرر لها من تمويلات اختلقت أفرادا ووسائل إعلام بشرت بالثورة البرتقالية والثورة البنفسجية، لايفترض أن تكون كما كانت، على الأقل فى ضوء الأزمة الاقتصادية الطاحنة التى تعانى منها جميع دول العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة . إن هذا عامل مهم ومؤثر فى مسارات الحراك المصرى فى مرحلته الجديدة، لاشك فى ذلك، ولكن بقية مقوماته لم تتجل بعد .
الأولوية الاقتصادية
نأتى إلى الأزمة الاقتصادية الدولية التى بدأت بأزمة مالية أمريكية ثم عالمية، وهى قد تبدو متغيرا خارجيا لاعلاقة له بالتفاعلات السياسية الداخلية فى مصر .. لكننى أراها عكس ذلك وفق المبررات الآتية: فالأزمة لها انعكاساتها على الاقتصاد المصرى، باعتباره اقتصادا أقرب إلى أن يكون متعولما .. أو للدقة متفاعلا مع العولمة .. تلك الخاصية التى منحته القدرة على الانطلاق فى السنوات الماضية .. ولاسيما أنه لا يمكن لأى دولة أن تنغلق على نفسها الآن .. وبناء عليه فإنه يتأثر بدرجة تالية بالمتغيرات الدولية .. فعائد قناة السويس تراجع .. وعائد السياحة .. وعائد التصدير .. ومعدل اجتذاب الاستثمارات .
هذه الوضعية تطرح على المواطن المصرى هموما تجعل اهتمامه بالصراع السياسى المترف أقل مما كان عليه فى السنوات الماضية.. حين كانت تثور قضايا جدلية لاتتعلق بمصالحه مباشرة لكنه يتفرج عليها بشغف واهتمام فى إطار الانشغال بالجديد فى المجتمع.. الآن سيكون اهتمام المواطن الاقتصادى أكبر.. وانشغاله السياسى سيكون مبنيا على أساس الاهتمام الاقتصادى .
ومن ثم فإنه سوف يطرح أسئلة جوهرية على التيارات السياسية التى كانت تتبارز فى أمور فوقية .. وسوف يفرض عليها استفهامات تتعلق باستعدادها لأن تقدم بدائل وتطرح رؤى يمكن أن تساعده على اجتياز الأزمة .. أو الإبقاء على وظيفته وبحيث لايتم تسريحه منها.
لقد عبرت الأزمة الغذائية على مصر دون أن تترك أثرا سياسيا، جوهريا، فى تصنيف وتقييم التيارات والأحزاب، ولم تختبر رؤى القوى التى تدعى أنها قادرة على إيجاد الحلول، ولكن الأزمة الاقتصادية سوف تكون أطول مدى .. وسوف تكون أشد قسوة .. ومن ثم سوف تفرض تحديات أخرى .
وقد تعتقد بعض القوى أنه يمكن أن تستغل أجواء تلك الأزمة فى أن تزايد أو تحقق مكاسب من خلال الادعاءات، لكننى أعتقد أن هذا لن يؤتى جدوى، لسبب جوهرى .. وهو أن تلك القوى لاتطرح بدائل حقيقية أو برامج واضحة أو أفكارا مجدية .. وهى تواجه الآن لحظة الحقيقة .
وما أعتقده أيضا أن التحركات الاحتجاجية فى المرحلة الجديدة سوف تكون ذات طابع اجتماعى وفئوى وليس لها علاقة بالتيارات السياسية .. ليس فقط لأنه لاعلاقة لها بها .. ولكن أيضا لأن من سيقومون بها سوف يحرصون على أن تكون بعيدة عن التنافس السياسى والأيديولوجية حماية لمصالحها وما تطالب به .. وعلى سبيل المثال .. فإن إضراب أصحاب المقطورات وسائقيها وإضراب الصيادلة .. وهما حدثان لم تكن للأزمة الاقتصادية الدولية علاقة بهما . .كانا حدثين بعيدين تماما عن أى تحريض سياسى ولم يتمكن أى تيار من القفز عليهما. خلاصة الأمر أن الموضوع الاقتصادى سوف يفرض تحديات قاسية على الجميع فى الأيام المقبلة .. سواء بين أصحاب الأغلبية أو معارضيهم القانونيين أو غير القانونيين.. ولذلك تأثيرات سياسية مختلفة .
ملاحظات أخيرة
أما وإن تلك هى مبررات نشوء المرحلة الجديدة من التغيير فى مسار الحراك المصرى .. بما تعنيه من نهاية ملموسة لمزايدات الأراجوزات والمفتعلين .. وصولا إلى مرحلة أبعد من النضج .. كيف يمكن إذن أن نتعامل مع تلك المرحلة باعتبارها متغيرا أشمل؟
1- يحتاج الرأى العام إلى شرح مستمر للمتغيرات الإقليمية وتأثيرها على الأمن القومى المصرى، وأن يبقى مستنيرا بالحقائق وأبعاد الموقف، تلبية لرغبة حقيقية داخله .. ولكى لا يترك ضحية للرؤى السوداء التى تطعن فى البلد من الداخل .. وتلك ليست مهمة الدولة فقط وإنما هى مهمة لابد أن يقوم بها كل المعنيين فى جميع المجالات .
2- لابد من تفعيل عوامل مختلفة تؤدى إلى تفجير الإحساس بالوطنية المصرية، ما يؤدى إلى ترسيخ الاهتمام بالمصلحة المصرية أولا فيما بين قطاعات الرأى العام، وبحيث يتراجع تأثير الخطاب المتطرف الداعى إلى إعلاء الهوية الدينية للمصريين على حساب الهوية الوطنية .. ولتلك المسألة نتائج كثيرة جدا .
3- تحتاج الساحة الداخلية إلى مزيد من محفزات السياسة .. والدفع فى اتجاه ترسيخ البنيان الديموقراطى .. بما يخلق مساحات أكبر للقوى الشرعية القانونية .. وما يعطيها فرصة أكبر فى أن تطرح نفسها وأفكارها وتكتسب الأنصار .. فالساحة لن تكون لواحد .. ولايمكن أن يكون البديل هو القوى غير الشرعية التى لاتعبر عن المجتمع وتناقض خصائص الدولة .
4- بقدر ما تحتاج الساحة الحزبية إلى محفزات بقدر ما تحتاج إلى حيوية من الأحزاب نفسها .. ومشاركة فعالة لملء المساحات .. وإعادة بناء المصداقية .. خاصة على مستوى أحزاب المعارضة التقليدية .. وبعض الجديدة .. وأعنى مثلا : الوفد - التجمع - الناصرى - الجبهة الديموقراطية .
5- إذا كانت نتيجة انتخابات نادى القضاة قد أظهرت مؤشرات شديدة الأهمية .. فإن على أهل السياسة والقانون فى البلد أن يسعوا حثيثا إلى تفعيل المنابر النقابية والمشاركة فيها .. ومنع خضوعها للأقليات المنظمة التى توظفها فى إطار مصالحها السياسية .. وترسيخ الدور المهنى والاجتماعى للنقابات قبل الدور السياسى .. فهو تالٍ وليس سابقا.
6- لن تبلغ هذه المرحلة الجديدة قدرها الواجب من النضج مادامت الساحة الإعلامية تعانى من فوضى .. ولاتحكمها قواعد .. بدون أن يعنى ذلك أى تقييد للحرية .. ويشمل هذا أهمية أن يكون مضمون الرسائل الإعلامية قادرا على تحصين الرأى العام ضد هجمات الخارج الإعلامية والسياسية وحملاته.
7- إذا كانت هناك رؤية مختلفة وجديدة للعلاقة مع الولايات المتحدة فى إطار مرحلتها الجديدة، فإن الإطار السياسى وحده ليس كافيا لكى لايكون الصخب الأمريكى عنصرا فى التفاعل الداخلى .. وإنما يقتضى الأمر تحركا إعلاميا مكثفا فى الساحة الأمريكية ليس دعائيا وإنما شارحا للحقائق وناقلا وجهه نظر البلد .. وبحيث لا تكون المنابر الإعلامية الأمريكية ملجأ لنصرة الجماعات غير الشرعية المصرية والخارجين عن قواعد السياسة والاستقواء بالخارج على الداخل.
8- لم تطرأ متغيرات حقيقية على الساحة الجامعية .. تحديدا بين الطلبة .. وبما يضمن انضواءها فى تفاعلات المرحلة الجديدة .. ومن ثم يحتاج الأمر إلى يقظة وإعادة النظر فى قواعد النشاط العام فى الجامعات .. بحيث لاتترك لقمة سائغة لمن يصنعون أجيالا من المحبطين والغاضبين .. فتكون تعويضا لهم عن خسائرهم الكبيرة فى مساحات أخرى .
9- المتغيرات الاقتصادية تقتضى انتباها حكوميا ويقظة لابديل عنها فى التعامل مع نتائج الأزمة الدولية وتأثيراتها الداخلية وبحيث لاتترك الفئات المتضررة نهبا للمزايدين .. وتكون تلك فرصة جديدة لكى يعودوا إلى المولد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | السمات:عبدالله كمال التغيير روزاليوسف الاصلاح الحزب الوطنى سياسه مقال الافتتاحيه اوباما الاغلبيه التعديلات الدستو
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























