المقال المنشور فى روزاليوسف(المجله) بتاريخ 22-3-2008
فى معجم لسان العرب : (نهش) الشىء اى تناوله بفمه ليعضه . .او اخذ اللحم بمقدم الاسنان.
وفيه ايضا : ان (الهبش) هو الجمع والكسب ..و(هبش) الشىء اى جمع وكسب واحتال .
وفى اوضاع مصر ، وذلك المعنى ليس مصدره قاموس او معجم ، لكنه من واقع مثير ومدهش ..بل ومؤلم ، يتكاثر (الهباشون) و(النهاشون) ، لاسيما فى اوقات الازمات ..وحين يفترض ان يترفع الكل عن المصالح الضيقه ..وان يتعالوا عن الالعاب الصغيره ..وبعض الافعال الخطيره ..التى تؤدى الى تضخم الازمات بدلا من حلها ..وتذويبها ..غير ان مايحدث هو العكس.
وقد ازدهرت فى البلد حاله( النهش والهبش) خلال الايام الاخيره ..مع تفاعل ازمه الخبز – اصر على ان اسميها باسمها – كل يقضم فى جسد الحاله العامه ..راغبا فى ان يملأ حشو بطنه من ريع الوضع الذى فرضته بالاساس اوضاع عالميه ..ودعمته ثانويا اخطاء حكوميه..او قاصدا ان يحقق فوزا سياسيا .
ان اوضاع من هذا النوع تدعو المرء لأن يتسائل : ماالذى جرى فى البلد ..وماذا حدث للمجتمع ..كنا اذا ضربتنا مشكله نلتئم ونتوائم ..ونقف فى فريق واحد ..لعلنا يمكن ان نواجه التحدى ..اما الان ، فان حدوث المشكله يؤدى الى تفجر مشكلات اضافيه لاعلاقه لها بالاسباب الاصليه ..ولا بظاهر المشكله الرئيسيه ..وانما من تنويعات جانبيه ..تصب زيتا يلهب النار..وتود لو ادت المشكله الى انهيار.
مثل هذه الحاله المعقده ، تجعل اى مراقب يتعاطف مع الحكومه ، لانها لاتواجه ازمه ..بل عليها ان تتصدى لعده ازمات ..اغلبها لاعلاقه له بالملف الاصلى ..فتتضاعف الخسائر ..وتتنوع التفريعات التى تبعد صاحب القرار عن هدف الطريق ..ومن ثم تطول المعاناه ..ويكون الخاسر الضحيه الاولى هو المواطن الذى يتغنى الكثيرون بالرغبه فى اسعاده وتحقيق راحته ..وهم اول من سعى الى قض مضجعه.
# العطش الكاذب
عد معى الى ازمه مياه الشرب النقيه التى ضربت مصر ، بالوهم ، فى الصيف الماضى ..هل تذكرها ..هل تذكر كيف تم تسويق معنى اننا امه تكاد تموت من العطش ..وان الصنابير جفت ..والانابين صدات ..والناس تهرول فى الشوارع بحثا عن نقطه ماء .. وقيل ان المواطنين يتصارعون فى القرى ..والمعارك تتطاحن ..وبلغ الامر حد ان سميت الازمه وقتها بعنوان : (حرب العطش فى ارض النيل ).
هل مات وقتها شخص لانه لم يجد شربه ماء ؟ لااقصد بالطبع ان اقول ان الازمه لابد ان تتفاعل الى هذه الدرجه حتى نتعامل معها بالحسم الواجب ، وانما مااعنيه ان الموقف لم يكن من الخطوره والهول بحيث يتردد ان الشعب عطشان ..ولايجد الماء الذى يشربه ..والدليل ..انه سرعان ماانكشف الوهم ..وعادت فناطيس المياه المتجوله فى الشوارع الى مكامنها ..واختفت (الجراكن ) التى كانت تصور كل يوم فى الصحف الخاصه ومحطات التلفزيون ..فيما استمرت الحكومه فى تطبيق برامجها المعلنه ..مع بعض الاضافات ..نحو زياده عدد محطات تنقيه المياه .
خطوره هذه الحاله التى يتم تفويرها فى لحظات ، هو انها تجعل صاحب القرار فى وضع لايحدث عليه ..لان هناك من يتعمد ان يدلس عليه اثناء تقييم الموقف الواجب لاداره اى ازمه ..يهول الوقائع ..ويضخم من ردود الافعال ..ليس من اجل الناس ..ولكن لكى يحقق صالحه الخاص ..سواء كان سياسيا ..من خلال الانتقاص من مصداقيه الاداره والطعن فى ادائها ..او ماليا ..من خلال الاستفادات المتحققه على هامش تهويل الازمه ..واقل مكسب فى ازمه مياه الشرب كان هو مبيعات المياه المعدنيه .
العطشى لم يختفوا من شوارع مصر ، ليس لانهم ارتوا، ولكن لانهم لم يكونوا موجودين من الاصل ، كما ان الجوعى لم يتساقطوا فى الشوارع اثر انفجار ازمه توزيع الخبز ..لسبب واضح وهو ان الدقيق موجود والمخابز تعمل على مدار الساعه ..والناس تشترى ..وتاكل ..وان كانت تجد معاناه هائله فى ان تصل للخبز المدعوم ..وهذه معاناه ليست بالبسيطه ولانهون منها.
# ازمه توزيع
اسميها من الان (ازمه توزيع الخبز ) لان ذلك هو المعنى الصحيح والدقيق .. الخبز موجود ..وقد تسببت الحكومه باخطائها من خلال وزاره التضامن واداء الوزير على مصيلحى فى ان تضاعف الازمه ..الذى جرب فيما لايجوز التجريب فيه ..ودفع الناس الى ان يواظبوا على صلاه الفجر لكى يلحقوا بطوابير الخبز ..متجاهلا حقائق الواقع ..وفارضا سطوه مركزيه على مسأله كانت تدار محليا وعلى مستوى المحافظات .
لقد قال المتحدث باسم الرئاسه ، السفير سليمان عواد ، عقب اجتماع للرئيس مع عدد كبير من وزراء الحكومه ..من الواضح جدا انه كان شديد الحده ، قال ان الرئيس اعتبر الازمه فى (الاداره والرقابه والمحاسبه)..وهى كلمات مغزاها واضح ..وعلق عليها الدكتور سامى عبدالعزيز فى مقاله بجريده روزاليوسف بطريقه وصلت الى عمق المعنى .
والملاحظ فى التوجيهات الصادره عن اجتماع الرئيس ، بخصوص هذا الامر المعقد ، انه ركز على عده جوانب:
# انه يتابع الموقف وليس بغائب عنه ..بل وعلى اطلاع كامل ودقيق بكل تفاصيله .
# وضع الحكومه والمحافظين امام مسئولياتهم ..وفرض التنسيق المفتقد فيما بين اليات الجهاز الادارى.
# تحديد موعد زمنى لانتهاء الازمه ..بعد ثلاثه اسابيع ..مما يعنى امام الراى العام انها قيد السيطره ..والزام الحكومه بتقارير اسبوعيه حول الموقف ..مايعنى ان التوجهيات قيد المتابعه الصارمه .
# تكليف جهات سياديه فى الدوله بان تقوم بدور استراتيجى فى علاج الازمه ..وهى الجيش والشرطه ..وهو امر يتضمن رساله طمانه للراى العام ..ويؤكد له ان هناك مؤسسات قادره على القيام بادوار انقاذيه ..فى اللحظه المطلوبه .
# التوجيه باستخدام الاحتياطى النقدى فى تمويل صفقات استيراد قمح جديد ..مايعنى ان الاموال موجوده ..واحتياطات القمح مضمونه ..ولاتوجد مشكله فى (الفلوس).
وبالاجمال فان الرساله الصادره عن الاجتماع تقول ان قبضه الدوله لن تدع امرا مثل هذا يمكن ان يستفحل .. حتى وهى تدرك ان هناك اخطاء فى منظومه (الاداره والرقابه والمحاسبه) ..وحتى وهى تحيط الراى العام علما بان الحكومه تواجه تحديات شرسه من ازمه الغلاء العالمى .
# هروله حكوميه
الصحيح بالطبع ، ان الحكومه سارعت الخطى وهرولت فى اتجاه تنفيذ التعليمات ، ومن الحق ان نعيد طرح السؤال الخالد : لماذا يجب ان يتدخل الرئيس فى كل مره بكل سطوه صلاحياته ..اليس على الحكومه ان تتحرك بصوره اسرع واعتياديه مفترضه ؟..لكن هذا ليس موضوعنا الان .
الموضوع هو انه فى سياقات اخرى راحت قوى النهش والهبش تت













