بالمصرى
* مقال المجله ليوم 11 اكتوبر 2008
——————————————–

دعنا نبسط الامور ..اذ أن عاصفه من المصطلحات والمفاهيم صارت تقصف عقول الناس فى الايام الاخيره ..حين بدأوا فى الانتباه الى الازمه (الماليه) الدوليه ..بصورة جعلت عمليه الاستيعاب صعبه الى حد بعيد ،ان لم تكن مربكه ..فى مجتمع تدور كل مصالحه (حول ومن) الاقتصاد ..ولكنه لايطيق التعامل الا مع قشوره وعناوينه العريضه.
ومن ثم دعنا نقول ان احد مشاكلنا العامه هى ان عديد من المصريين ليسوا مثقفين اقتصاديا ..وان اغلبيه المضاربين والمتعاملين مع البورصه لايعرفون قواعد السوق..وليس لدى الاكثريه وضوح حقيقى فى الاسباب التى تمنع وجود ارتباط بين الازمه العقاريه فى الولايات المتحده وسوق العقارات فى مصر او الفورة العقاريه المهدده فى دبى .
ولذا اعتقد ان الحكومه تعانى من سوء تفاهم رهيب مع جمهور المستهلكين ودافعى الضرائب المصريين ..لانها تقول كلاما بينه وبين الناس حواجز رغم انه فى صميم مصالحهم ..ولذا ايضا اظن ان كل ماتقوله(الحكومه) عن معدل النمو المتحقق فى السنوات الماضيه وان الاستمرار عليه هو هدف اساسى ، لايصل معناه الى الغالبيه ..ويجوز ان اضيف ان بعضا من اهم ازماتنا الماليه الكبرى فى العصر الحديث كانت بسبب اضمحلال الثقافه الاقتصاديه ..فضلا عن الطمع ..واعنى بذلك مشكله توظيف الاموال.
بل ان كافه المعوقات التى تجدها الحكومه امامها وهى مقبله على اقتراح برامج جديده خاصه فى المجال الاقتصادى عموما او المالى خصوصا .. يرتبط بانها تقضى وقتا طويلا فى الشرح والاقناع..ويتعلق بان القوى السياسيه،واصحاب المصالح من بقاء الوضع على ماهو عليه ، يستغلون هذه النقطه ..وينتهزون ان غالبيه المصريين يفضلون الشعارات العريضه ..وان البناء الثقافى الاقتصادى فى العقليه العامه توقف عند ماغرسته فيها اله الستينات الدعائيه الرهيبه حين روجت السياسات الاشتراكيه بكثافه عبرت الزمن والاجيال..وهى(تلك الاله) التى لم تزل تدير الاتجاهات حتى اليوم ..رغم اننا قد تركنا سياساتها على مراحل منذ بدء الانفتاح فى عام 1964.
مهنيا ، وعلى الهامش ، استطيع ان اقول ان اى جريده سعوديه او امارتيه او كويتيه يمكنها ان تناقش الازمه الماليه الدوليه وتوابعها ..بدون مقدمات طويله مثل تلك التى انا مضطر اليها فى مجله توزع اقليميا لكنها بالاساس موجهه للقارىء المصرى ..لاننا بطبيعتنا (فى مصر)غير تجاريين، وان كنا جميعا نطنطن باحاديث حول البيزنس ..والقينا بادراه العمليه الاقتصاديه على الدوله منذ زمن بعيد ..فى حين ان المواطن الخليجى يتربى وينشأ وينمو منتبها الى كافه مفردات العمليه الماليه والاستمثاريه والاقتصاديه التى تدور حوله ويشارك فيها فورا ..ومن الطبيعى ان يكون صاحب عمل خاص حتى لو كان موظفا حكوميا..لكن القاعده فى مصر هى ان تكون موظفا والاستثناء ن تكون صاحب عمل خاص ..او قل الاقليه هى من الفئه الثانيه.
وبالتالى فان اول مانجحت الدعايه الستينيه فى ترديده بين قطاعات الراى العام فى مصر خلال الايام الاخيره هو ان الدول الراسماليه الكبرى تؤمم البنوك والشركات ..وان الدول تعود للسيطره على الاسواق ..بل وان الراسماليه تسقط ..ونشأت مطالبات عبرت عن نفسها فى تعليقات عده دفعت اصوات اقتصاديه عديده فى الدوله والحزب تخرج للتاكيد على ان مصر لن تتراجع عن سياستها الاقتصاديه ولن تلجأ الى السياسات الحمائيه ..وان تحرير السوق هو الحل الامثل والذى لن نحيد عنه .
لقد اضطر الدكتور وحيد عبدالمجيد ، الكاتب المعروف ونائب رئيس مركز الدراسات الاستراتيجيه فى الاهرام لان يكتب بعنف فى جريده الوفد يوم الخميس ردا على من يقولون بسقوط الراسماليه ، بادئا من نقطه : ( اذا سقطت ماهو البديل )..واظن ان الدكتور فوزى فهمى فى مقاله بالاهرام يوم الاثنين (غياب الرقابه) كان اول من حرص على توضيح الفرق بين الازمه الماليه والازمه الاقتصاديه ..مشيرا الى ان المشكله – من وجهه نظره – فيما يحدث عالميا هى فى غياب الرقابه ..ولااعتقد ان كثيرون مايزوا بين الازمتين..وان الثانيه سوف تتلو الاولى.
وفى المقابل لااعتقد ان ماقاله الوزير رشيد يوم الاربعاء حول ان تقييم الشركات المصريه لم يتراجع كما تراجع مؤشر البورصه ، هو كلام وصل معناه الى القطاعات العريضه ، لان هذه القطاعات لم تعرف من الاصل ماهو تقييم الشركات ..بل اننى ازعم ان الوفا من الذين يستثمرون فى البوصه لم يقرأوا ميزانيات الشركات التى يتداولون اسهمها .
ان هذا ليس تقريظا لقطاعات شعبنا بقدر ماهو رغبه فى ان نضع ايدينا على المشكله التى سوف تواجهنا فى الايام المقبله ، كما قابلتنا مرات عديده من قبل ، وهى بالاساس تقع على مسئوليه الحكومه التى لم تبذل جهدا فى تنميه الثقافه الاقتصاديه للناس ..لاتعليما ولااعلاما ..وبالتالى هى تتحمل قدرا كبيرا من المسئوليه عن التراجع الذى لحق بمؤشر البورصه ..حتى تجاوز كل توقع ..فى يوم واحد ..وهى مسئوليه غير مباشره ..ومن ثم لم اندهش حين اتصل بى بعض السماسره مساء يوم الاثنين يطلبون منى نقل وجهه نظرهم للحكومه بان عليها ان توقف التداول فى البورصه فى اليوم التالى ..بدلا من حدوث خسائر رهيبه متوقعه..دون ان يدرو ا ان الحكومه لوفعلت ذلك سوف يكون تدخلا قسريا منها فى السوق وقواعده التى يفترض انها تخضع للشفافيه والوضوح.
لقد كان اول تفاعل حقيقى بين المصريين والازمه الماليه الدوليه منذ خمسه ايام فقط ، اى حين عادت تعاملات البورصه بعد اجازه اعياد طويله جدا ..التحمت مع اجازه يوم 6 اكتوبر ..فى حين ان تفاعلات الازمه المتصاعده تضرب العالم منذ ثلاثه اسابيع على الاقل ..وقد كان المواطن العادى يرى مايحدث فى نشرات الاخبار وكانه زلزال مثير للشفقه تعرض له بلد اخر ..ولايتوقع له ان ينتقل بالعدوى ..الى ان وجد كره النار موجوده فى حجره ..حين انخفض مؤشر البورصه باكثر من الف نقطه وتراجعت نتيجه حاله الهلع بنسبه تزيد عن 16%.
وربما كان هذا التاخير فى حدوث التاثير ميزه ..وعيب ..ميزه لانه يعنى ان الاقتصاد المصرى على الرغم من اندماجه فى الاقتصاد العالمى بصوره متزايده ..الا انه اقل عولمه ..وقد استفاد من الحذر الذى تداربه عمليه تحرير الاقتصاد ..فضلا عن ان اقتصادنا الذى تضاعف عشرات المرات من بدايه الثمانينات حتى الان هو اقتصاد صغير نسبيا ..ولذا فان فرص تعرضه للمخاطر اقل ..مقارنه بغيره ..واما العيب فهو ان الحكومه التى كانت تعرف مايدور عالميا اكثر من غيرها ..لم تستشعر ضغط الراى العام بدايه ..ولذا راحت اصوات منها تقول فى البدايه اننا لن نتاثر بما يجرى عالميا ..الى ان تراجعت عن هذا الكلام ..وبدأت المجموعه الاقتصاديه فى شرح الامر للناس ..والاعتراف بوجود تاثيرات حقيقيه سوف تتوالى .
وفى ذلك السياق يمكن التعامل مع العبارات المتوازنه التى قال بها محمود محى الدين وزير الاستثمار الذى صرح بعد اجتما للمجموعه الاقتصاديه مع الرئيس فى نهايه رمضان بان الازمه سوف تفرض تاثيراتها علينا ، لكن ميزه الوضع المصرى ان الاستثمارات المصريه تهيمن على الاستثمار فى مصر ..اى ان النسبه الغالبه من الاستثمارات مصريه.
لكن خمسه ايام فقط تلت الانتباه المصرى العام للازمه الدوليه كانت كافيه لانتشار قدر لاباس به من الترديدات والشائعات التى استوجبت سرعه الانتباه من الحكومه .. وكان ان بدأ تصدير الهلع فى الاسواق ..وهكذا كان ايجابيا ان تتوالى التصريحات والتطمينات المصحوبه بشرح طويل حول ضمان الودائع فى البنوك ..والموقف المستقر للجهاز المصرفى المصرى ..بدون ان تغفل الرساله الصادره التاكيد على هناك تاثيرات سلبيه للازمه علينا ..وان الوضع العالمى المتدهور لن يقودنا الى احداث تحول نوعى ودراماتيكى وانقلابى فى سياستنا الاقتصاديه.
جمال مبارك فى هذا السياق ، كامين للسياسات فى الحزب الذى تنتمى له الحكومه سارع الى عقد اجتماع خاص للجنه الاقتصاديه فى الامانه ، نوقشت فيه الامور كلها على نطاق واسع ..وخرج بعدها ليؤكد مجموعه من الثوابت وهى انه لاتراجع عن تحرير السوق ..وان الهدف الاهم هو الحفاظ على معدل النمو ..وان استقرار الجهاز المصرفى لاينفى ضرورة المضى فى تطويره وتح













