مقال عبدالله كمال المنشور فى مجله روزاليوسف
بتاريخ 10 اكتوبر 2009
في يوم ٤ أكتوبر الجاري أصدر الملك عبدالله بن عبدالعزيز عاهل السعودية المرسوم الملكي التالي: نحن عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود.. ملك المملكة العربية السعودية.. أمرنا بأن يعفي الشيخ الدكتور سعد بن ناصر بن عبدالعزيز الشثري عضو هيئة كبار العلماء والعضو المتفرغ في اللجنة الدائمة للبحوث والفتوي المتفرعة من عمله.. ويبلغ أمرنا هذا للجهات المختصة لاعتماده وتنفيذه.
هذا القرار المفاجئ وغير المتوقع من الملك كان هو رد الفعل الأهم والأسرع من أعلي مستوي في السعودية علي التعليق أو الفتوي التي أدلي بها الشيخ سعد الشثري في قناة المجد.. محذرا من الاختلاط في جامعة الملك عبدالله بن عبدالعزيز للعلوم التقنية التي افتتحتها السعودية في إطار تحول مهم بدوره قبل أن يدلي الشيخ بما قال بنحو يومين.
القرار الأول جاء لحماية الخطوة غير المسبوقة التي أسست لوجود التعليم الجامعي المختلط في السعودية لأول مرة.. ويمكن القول أن قرار الملك قد ألجم إلي حد بعيد أصواتا كثيفة كانت تستعد للانطلاق في اتجاه انتقاد الجامعة غير المألوفة في السعودية.. وتحريمها والتحذير من الاختلاط فيها.. مما قد يؤدي إلي تفريغ تلك الخطوة التي تمثل نقلة حضارية كبري في المملكة من محتواها.
إن فهم حجم وأبعاد دور هيئة كبار العلماء في السعودية ومدي انتشار تأثيرها وتغلغلها في عقلية المجتمع السعودي وارتباطها بشرعية الحكم السعودي، يمكن أن يحدد لنا ماهية القرار الذي أصدره الملك والرسالة الناتجة عنه.
مفارقات ٩٠٠٢
وفي المقابل فإن مصر ليس فيها إلا جامعات مختلطة.. وهي، تاريخيا، فضت القيود عن المرأة قبل ما يزيد عن مائة عام حين رفع قاسم أمين شعاره العظيم: تحرير المرأة.. غير أنه في العام الذي نالت فيه المرأة المصرية واحدا من أهم إنجازاتها الحضارية والسياسية.. في ٩٠٠٢. أي الحصول علي نسبة مقررة بحكم القانون والدستور من مقاعد مجلس الشعب للنساء.. كان هذا المجتمع مضطرا لأن يخوض جدلا كبيرا ضد انتشار النقاب بين بنات أجياله الجديدة.
مفارقات متنوعة جدا ومؤسفة للغاية تقرأها في المشهد المصري، بخلاف هذا التناقض الزمني بين ١١ عقدا منذ عصر قاسم أمين إلي الآن..
مجتمع يرتضي الاختلاط.. لكن بناته يعلن الإصرار علي الانعزال خلف الأستار السوداء.. كل منهن تعيش في خيمتها الخاصة.. خلف حجب آتية من (تورا- بورا) ولايمكن أن تكون متناسقة مع العمر الحضاري للقاهرة.
جيل يفترض أنه يخوض غمار شبابه.. لكنه يذهب بعيدا منجرا وراء كهولة الاختفاء.. دافنا أحلامه.. ومحاصرا لانطلاقه.. وقاتلا لحيويته.. ورافضا للعصر.. كما لو أنه يعيش هجرته الخاصة مذكرا إيانا بسنوات شكري مصطفي الذي أقنع في تنظيم (التكفير والهجرة) قدرا لا بأس به من الجامعيات بأن يهبن أنفسهن لمجتمع جاهل جهول بناه هو في مخيلة ذاته وبعيدا في مكان قصي من المجتمع.
جامعيات.. يفترض فيهن أن يسعين وراء العلم.. فأمسكن بتلابيب الأزمنة الغابرة قبل الأديان.. والانطباع المتوقع منهن هو أن يكن مناديات بحقوق النساء والمساواة.. فإذا بكل منهن تتحول إلي حبيسة في زنزانة اختيارية متنقلة.. ترفض أبسط دلائل الحضارة.. التواصل من خلال وجه معلن.. لكي يبين الرجل من المرأة.. والحق من الباطل.. ويا لها من عقول تريد أن تقود المجتمع في الزمن القادم.
إن علينا أن نحترس لأن العجلة ترجع إلي الخلف.
ومن المثير للدهشة أن القناة التي تسببت في عزل الشيخ السعودي سعد الشثري من هيئة كبار العلماء بأمر ملكي.. أي قناة المجد.. هي نفسها أحد مقومات منظومة فضائية راسخة وواسعة الانتشار.. تروج في مصر وغيرها لفقه النقاب والانعزال ومحاربة التواصل.. والدعوة إلي المجتمعات المنشطرة.. ضد الفطرة.. منظومة تبيع فكرا يعود إلي عصور سحيقة رغم أنها تعتلي قنوات بث فضائي في أحدث منتجات العلم.. الأقمار الصناعية التي من المؤكد أن من بين صناعها عشرات من النساء الغربيات اللواتي شاركن الرجال في عمل بهذه الضخامة.. لكي نأتي نحن بمنتهي التخلف ونحول هذه الآلات إلي وسيلة لركوب ماكينة الزمن ونضبطها علي مؤشر يرجع بنا إلي ما قبل الإنسانية.
العادة والعبادة
ما هذا القرف.. أعلينا في عام ٩٠٠٢ - بينما الإسرائيلية (عداة يونات) تحصل علي نوبل في الكيمياء.. والألمانية هيرتا موللر تنال نوبل في الآداب.. وبينما العالم يفض أسرار تركيبة جينات الإنسان.. ويجهز رحلة إلي المريخ غير مكتفٍ بالقمر - أن نتكلم فيما إذا كان النقاب عادة أم عبادة؟.. وهل علي السلطة في البلد أن تتخذ إجراءات لمنع تسكين المنقبات في المدن الجامعية للطالبات؟.. هل بعد هذا قرف؟!
مال بناتنا؟.. كيف بفريق منهن يخترن العزلة.. ويتظاهرن من أجل أحد أشهر مظاهر التخلف.. ويناضلن من أجل الاعتراض علي الإمام الأكبر لأنه قال لطالبة في مثل عمر حفيداته: أن اخلعي النقاب.. إنه عادة لاعبادة.. فتثور عليه الدنيا.. ويصبح هدفا لهجوم جحافل التطرف.. وبراكين التهييج.. تريد أن تشوه صورته.. وأن تهز مصداقيته.. وأن تستفز كبرياءه.. وأن تشكك في علمه.. فيما لم يكن بين ناقديه من حصل نصف علمه.. وحصد ربع خبرته.. أو اعتلي المنابر بقدر ما اعتلي وخطب ووعظ الناس إلي دين الله.
الهجوم علي صاحب الفضيلة أصبح وسيلة لإلهاب المشاعر.. وارتكاب كبائر في حق علماء الدين.. الناصحين.. الذين كان أمامهم من الجراءة والثقة في العلم بحيث إنه أعلن قولة الحق.. وواجه التطرف بصوت الحكم السليم.. ورفض أن يتراجع.. في حين تلاحقه كاميرات التخلف واستديوهات اللغو الليلي وجرائد لا شاغل لها سوي أن ترتكب أي حماقة بغض النظر عن تأثير ذلك علي شخصية المجتمع.. وتلك نقطة تدعونا مجددا لكي نتساءل: هل رجال الأعمال الذين ينفقون علي تلك الوسائل الإعلامية الخاصة يقبلون منها رسالتها تلك.. هل يريدون مجتمعا منقبا؟
منارات الظلام!
كانت صحف مصر من قبل أهم أدوات تنويرها.. وكان من الشاذ أن تكون أي صحيفة مؤيدة للتطرف.. الآن أصبحت الصحف آليات ترويج وتحريض وإظلام.. وتعج بما يقود المجتمع إلي مزيد من التطرف.. إما بتأييد وتسويق جماعات التخلف.. أو بالمزايدة علي أصوات العودة إلي الماضي.. أو بالاختلاق والتلفيق كما حدث في الواقعة الأخيرة التي تخص شيخ الأزهر.. فناقل روايتها لم يكن موجودا رغم أنه أكد حضوره المشهد في بعض برامج التليفزيون.. ويا لها من مهمة مدمرة تقوم بها الصحافة الخاصة ضد البلد وخصائصه الاجتماعية.
ومن ثم فإن المجتمع بين قبضتي حصار.. سماء تمطر فكرا متطرفا في قنوات سلفية تحض المرأة علي ألا تصافح الرجل وأن تتحول إلي ثقب خيمة متجول إن تجولت.. وأرض تلتهب نارا بصحف تحريض وإغلاق عقول.. لا تنتقد تراجعا ولايعنيها أن تحمل رسالة من أجل البلد.. بل أن تصب مزيدا من البنزين لعل هذا يمكن أن يرفع التوزيع ولو نسختين.
هذه المنظومة هي التي أعاقت ولم تزل محاولات وزير الأوقاف أن يوحد آذان الصلاة في المساجد بدلا من تلك الفوضي التي تعتلي المآذن.. وهي التي ألهبت النار حين قال وزير الثقافة رأيا في الحجاب.. وهي التي شنت حربا بدعوي حرية العقيدة ضد شيخ الأزهر لأنه قال أن النقاب عادة لا عبادة.. وصار عليه أن يفسر من جديد ما أصبح معلوما من الدين بالضرورة.. وأصبح علي المجتمع ألا يناقش الحجاب وإنما أن يجادل في أمر النقاب.
أهذه.. مصر؟!
لقد حذرنا من ذلك قبل ما يزيد علي عام
المزيد














