المقال المنشور فى مجله روزاليوسف بتاريخ 5-4-2008
قبل عده ايام زار وزير الصحه مقر الاسعاف فى وسط البلد ..حيث لم يكن غريبا ان يجد امامه ثلاث سيارات اسعاف شبه خربه ..وبضعه مبانى مهمله ..وعدد من الموظفين ..وتناثر كل هذا فى قطعه ارض (منسيه) و(فاخره) ..مساحتها 15 الف متر ..تحتل ثلاث نواصى فى اهم شوارع القاهره (رمسيس و26 يوليو والجلاء)..ربما يبلغ سعرها حدود الاربعمائه مليون جنيه ..اذا كان متوسط سعر المتر مابين 20 الف و30 الف جنيه.
مثل هذه الارض ، هناك قطعه اخرى فى منطقه امبابه ، مساحتها عده الاف من الامتار تملكها وزاره الصحه ايضا ، اما هيئه التامين الصحى التى تتبع الوزاره فهى تملك عدد غير قليل من قطع الاراضى فى منطقه السيوف بالاسكندريه .
على شاكله وزاره الصحه ، لدى كل وزاره عشرات ان لم يكن مئات من الاصول المملوكه للدوله ..وغير المستغله ..التى يبدو انها سوف تكون احد اهم الخيارات التى يتم اللجوء اليها فى الميزاينه العامه الجديده ..لتوفير موارد حقيقيه قد تبلغ بالاضافه الى امور اخرى نحو 15 مليار جنيه فى غضون العام القادم والذى يليه .
وربما تكون وزارات الدوله الان مشغوله باجراء عمليه حصر شامله لهذه الاصول غير المستغله ، فهى عمليا وواقعيا ليست تحت النظر ، وقد تظهر عمليات البيع او عرض الاصول لحق الانتفاع – لست ادرى على وجه اليقين – ان هناك مشكلات وتعديات ..وقد تثير بعض الصخب فى الصحف التى اعتادت توجيه الاتهامات بلادليل ..وهى اتهامات لن تصدها الا الشفافيه المطلقه والتنافسيه القانونيه ..وسوف تحمى تلك العمليه المبررات المشروعه والمقبوله للدوله فى ان تجد موارد مناسبه ..تصون الموازنه من ان تتجاوز حدود العجز الامن
# سد العجز
والمعضله التى تواجهها ميزاينه الدوله هى (تمويل العجز).. فى ظل الاصرار الايجابى على الا يزيد العجز عن مستوى مقبول ..و(العجز) هو الفارق بين الموارد العامه والنفقات العامه ..واى ميزاينيه فى اى دوله فى العالم تعانى منه ..لان الاحتياجات اكثر من الموارد ..وميزاينه الولايات المتحده تعانى من ذلك سنويا ..لكن المعضله هى كيف تمول العجز ؟
بعض الدول تلجأ الى الاستدانه ..وهى وسيله مشروعه ..لكن لها حدود معينه ..بحيث لاتتحمل الاجيال التاليه اكثر مما ينبغى فى خدمه الدين وسداد اقساطه ..وبعض الدول تغطى العجز بطبع البنكنوت ..وتكون كارثه لايمكن سترها ..وقد مضى هذا الزمن فى مصر ..وبعض الدول تقلص العجز من خلال تقليل الانفاق العام على الخدمات والاستثمارات .
واذا كان العجز معضله ، فان( معدل النمو ) يمثل (تحديا) معلنا للدوله فى مصر ..لانه لكى تتمكن من الانتقال الى مستوى اقتصادى مختلف ..وبحيث لاتعود مره اخرى الى عصور (اربطوا الحزام)..فانها تحتاج الى ان يستمر معدل النمو السنوى عند حدود 7 % سنويا على الاقل ..وهو مايضمن ، على الاقل ايضا، الوفاء بالطلب المتزايد على التشغيل ..اى تلبيه فرص العمل المطلوبه .
ومن ثم فان علاج العجز من خلال (الانكماش) وضغط النفقات ..وتقليل الاستثمارات العامه ..سوف يكون انتكاسه اقتصاديه ..ولجوء الى حل سهل ..يضيق على حياه الناس ..تحت شعارات طالما استخدمت ..وكانت سببا فى مشاكل عديده تحاول الدوله حلها الى الان .
#موقف مختلف
ومن حسن الطالع ان اغلبيه اعضاء الحكومه ، وقيادات الحزب الذى تنتمى اليه لايفكرون بهذه الطريقه ، على الرغم من ان وجهات نظر مماثله ربما تكون قد طرحت فى الاجتماع الاخير لمجلس الوزراء فى نهايه الاسبوع قبل الماضى ..
ومن الواجب الاشاده بحرص الحكومه فى مجملها على ان تحافظ على انجازها التاريخى – كما احرص على تسميته دائما حتى لو كنت انتقد الحكومه – واعنى بذلك معدل النمو المرتفع .. والمستمر باضطراد .. حتى لو كانت مضطره الى ان تبحث عن سبل جديده لتمويل العجز وتوفير الموارد ..ومنها بيع اصول الدوله غير المستغله او اعاده تدويرها ..ومن بينها هذا النصب التذكارى الخالد للاهمال واسمه ارض الاسعاف فى وسط البلد.
وفى كل عام تواجه الحكومه عجزا ، لكن الموقف هذه المره مختلف ، فالدوله مطالبه بان تلبى الاحتياجات المتزايده لبرنامج الدعم ، مختلف الاتجاهات. ووفقا لما اعلنه الدكتور يوسف بطرس غالى وزير الماليه بعد اجتماع المجموعه الوزاريه المعنيه مع السيد الرئيس قبل ايام فان حجم الدعم سوف يصل الى 128 مليار جنيه ..بما قيمته 48% من حجم الموازنه وليس اجماليها ..وهو رقم مهول ..اذا عرفت ان اول مبلغ خصصته حكومه مصريه للدعم كان 2مليون جنيه عام 1945..وقد كان هذا المبلغ فى العام الماضى حوالى 86 مليار جنيه ..اى ان الزياده تبلغ فى هذا البند وحده 42 مليار جنيه ..
واعتقد ان العام القادم لن يمر بدون ان تلجا الحكومه الى طلب زياده هذا المبلغ بسبب ظروف الاسعار العالميه ..خاصه فى المواد الغذائيه.
لك ان تتخيل لو ان هذا المبلغ المهول قد وجه الى استثمارات فى مجالات الخدمات ..خاصه فى التعليم والصحه والنقل ..كيف كانت الحياه ستكون مختلفه ومتغيره ..واكثر رفاهه..مع العلم بان الاستثمارات فى هذه الخدمات تمتعت بزياده هى الاخرى ..غير انها زياده ضعيفه لاشك ولاتقارن بهذا الرقم الطائل.
# معضله الدعم
ان هذا يطرح بجديه تحديا حقيقيا على المجتمع ، وليس فقط على الدوله التى تدير شئونه ، ولا الحكومه التى تقوم بالاداره ..وحدها ..الا وهو ان الدعم بهذه الطريقه وذلك الاسلوب انما يمثل خصما من مفردات حياه الناس ..حتى لو كان يعطيهم الشعور بانه يضمنها .
وبغض النظر عن الظروف التى تعيشها مصر ، فى اطار الظروف العالميه لازمه الغذاء وازمه البترول ، وكلاهما متفاقم ، فان حوارا ضروريا مع المواطنين لابد وان يتم ..لكى نصل الى حل ..بدون ان تشعر الحكومه باى خوف ..وبدون يستشعر الناس اى قلق .
واعتقد ان الفرصه متاحه هذا العام ..ليس لان الجكومه تريد الغاء الدعم ..هذا لن يحدث ..ولكن لان المناخ سيكون مواتيا من خلال التطبيق الجديد للتعديلات الدستوريه ..اذ اصبح على الحكومه ان تقدم مشروع الموازنه الى مجلس الشعب قبل 90 يوما من موعدها ..ومن حق مجلس الشعب ان يقوم باجراء تعديلات فى اوجه الانفاق فى حدود ماهو متاح من موارد ..او باقتراح موارد جديده ..لاتؤدى الى تخطى نسبه العجز المقدمه من الحكومه .
ان هذه الطريقه سوف تجعل هناك حوارا مفتوحا وعلنيا بين الحكومه وممثلى الشعب ..وسيكون الامر مطروحا بصوره جديده على الناس ..الذين لم يكونوا يغوصون من قبل فى مثل تلك الامور المتعلقه بالموازنه ..وثقافتهم العامه فى مفرداتها محدوده ..والتمرين العلنى يتيح فرصه مناقشه مساله الدعم ..بكل صراحه ..وفى ضوء ان الحكومه دخلت الى المجلس بمبلغ هائل قد خصص له ..اى على عين الجميع .
نواب الشعب انفسهم سيواجهون تحديا صعبا امام ناخبيهم ..اذ سيكون عليهم ان يطالبوا بالمزيد من اجل المواطن ..وربما جرت بعضا من المزايدات بشأن الاجور والمعاشات .. وقد وجه الرئيس مبارك بالفعل الحكومه الى زياده العلاوه الاجتماعيه المقرره عما قد خططت له هى فى مشروع الموازنه ..
وسوف تدخل الموازنه الى المجلس وقد تحققت فيها هذه الزياده المطلوبه رئاسيا..فاذا ماطالب النواب بزياده اخرى فان عليهم ان يدبروا الموارد ..ولااعتقد ان ممثلى الشعب سوف يلجأون الى اساليب من نوع فرض ضرائب جديده او رسوم اضافيه ..فهذا كلام ضد الشعبيه .
وحتى يحين ذلك النقاش (العرمرم) فى البرلمان ..للمره الاولى ..فان الحكومه مطالبه بان تدير حوارا حول مشروع الموازنه وان تشرح للناس ..ذلك ان الكثيرين لم تصلهم بعد الرساله الواضحه بشأن الازمه الاقتصاديه العالميه ..ومحورها الانكماش الامريكى وانخفاض قيمه الدولار وارتفاع اسعار الغذاء وارتفاع اسعار البترول ..واعتقد جازما ان قطاعات عريضه لا













