من سلسله مقالات فى جريده روزاليوسف اليوميه-نشرت فى يناير وفبراير 2008
[ قابلت احد اصدقاء الكاتب محمد حسنين هيكل فى افتتاح معرض الكتاب ، كنا بضعه عشرات من المدعوين فى انتظار وصول الرئيس مبارك ..الذى التزم تقليدا سنويا بافتتاح الحدث الثقافى الاكبر فى مصر والعالم العربى منذ سنوات طويله ..وكما قال الدكتور ناصر الانصارى فان الرئيس تقريبا هو الزعيم العربى الوحيد الذى يفعل ذلك.وفى لحظات الانتظار كان ان صافحنى صديق هيكل ، وهو – اى الصديق – استاذ فاضل ..وصحفى مرموق ..وقال لى باسما : " سامحنى ياااستاذ هيكل لاننى اصافح فلان.."..وذكر اسمى مقهقها.
[ تضاحكنا حول هذه القفشه ، ولكنى فى عمق تحليلى لها ، وجدتها داخل ذات السياق الحقيقى المحيط باسطوره هيكل ..ولا اريد مره اخرى ان استخدم مصطلحا اخر غير اسطورة هيكل ..ذلك ان حول هذا الكاتب المثير للجدل ..والراغب فيه ..مجموعه من المريدين ..الذين ترتبط مواقف اغلبهم به ..وبما يقول ..الى الدرجه التى تدفع عددا منهم ان يهبوا للدفاع عنه ..كما لو انهم يدافعون عن " الاب الروحى".
[ حين كتبت قبل مايزيد عن عامين عن الكاتب هيكل ، كان ان تحركت اغلب عناصر تلك المنظومه ..بقصد احداث نوع من التصفيه المعنويه لقلمى ..ومحاصرته ..ربما لاننى امثل مناقضا ايديولوجيا لهم..ولكن بالاساس لاننى صدمت اختيارهم الاقدس فى الحياه ..وكانت صدمتهم الكبرى هى اننى اطلقت عليه فى احد اشهر المقالات وصف " الالعبان".
[ ان هيكل يبدو كما لو انه لايرد على احد ..مترفعا فى سماء عاليه ..غير انه فى الواقع دفع عددا هائلا من مريديه الى ان يكتبوا فى صحفا مختلفه ..مالايقل عن عشرين تعليقا ضدى..لست ابالغ حين اقول انها كانت تشويهات متعمده..تعبر عن رفض حقيقى من هؤلاء -واغلبهم من متقمصى افكار الليبراليه - رفض حقيقى واكيد منهم للديموقراطيه ..و عدم قبول حق الاخرين فى تبنى الاراء المخالفه .
[ لا اريد ان امضى هنا فى حديث قد يبدو شخصيا ، ولكنى اريد ان اعرض من خلال ذلك لنوع من الفهم الذى استبان لى حول طبيعه هذه الظاهره ..من خلال تجربه ذاتيه ..كشفت لى عن قرب ان شهره هيكل ومكانته المعلنه لاتتعلق فقط بقدراته ككاتب ..وامكانياته كصحفى ..وسماته كرجل دوله انتهى عصره فى الاساس..فهو رجل من الماضى ..وانما لكونه راس منظومه علاقات عامه واسعه ..تشمل بضعه عشرات من الاشخاص ..ليسوا جميعا من المعجبين ..ولا مقتفى الخطى ..او من يمكن القول انهم تلاميذ ..اذ ان هيكل ليس لديه مايمكن ان نطلق عليه وصف "مدرسه" بقدر ماله منظومه مريدين..ومحيطين.
[ # منع النقد
[ من بين كافه الكتاب العرب ، وتحديدا المصريين ، يبدو هيكل منفردا بتلك الظاهره من حيث الاتساع ..والتاثير ..عبر المنابر التى تتكلم عنه وتقف ضد اى نقد له ..فيما يمكن ان اصفه بأنه "كتائب صحفيه فاشيه "..وفى ذلك السياق..ودون ان تكون تلك مقارنه بين شخصى وبين قامه الدكتور الفبلسوف الراحل فؤاد زكريا فاننى اعود الى كتابه (كتاب فؤاد زكريا ) الاشهر : (كم عمر الغضب؟) ..ليس لكى اقتبس منه مايدين هيكل وكله بالفعل ادانات ..وانما لكى انقل واقعه محدده تثبت مدى سطوه تلك "الكتائب الفاشيه" .
[ ان فؤاد زكريا ..وهو يكتب مقدمه كتابه ، كان يعرض لما اعتبره الازمه التى انتابت "العقل العربى" نتيجه لعهود طويله من القمع ، وقد روى فى ذلك قصته مع جريده "الوطن" الكويتيه التى كانت تنشر ردوده على كتاب هيكل " خريف الغضب" ، وقال فى ذلك :
[ منذ اللحظه الاولى اتخذت صحيفه الوطن الكويتيه موقفا مناوئا لى ومجاملا لصاحب "خريف الغضب"..اى هيكل ..وكان جزءا من هذا الموقف راجعا الى النفوذ الضخم الذى يمارسه صاحب ذلك الكتاب على قطاعات هامه من الصحافه العربيه ..وجزءا اخر راجعا الى احساس الكثيرين من المسئولين عن النشر فى تلك الصحف بان الافكار التى احللها وانقدها تزعزع كثيرا من المعانى والقيم الراسخه فى نفوسهم ..
[ واضاف زكريا : وقد ظهر ذلك بوضوح صارخ فيما بعد ..حين قامت هذه الصحيفه بحذف الجزء الاساسى من المقال التاسع ..الذى يتناول علاقه هيكل الخاصه بامريكا ..وعنوانه عمنا سام ..وكان المضحك المبكى فى عمليه الحذف هو ان الجزء المحذوف كان فى معظمه اقتباسا طويلا من كتاب سابق لهيكل نفسه وهو اقتباس يستطيع القارىء ان يستنتج منه بسهوله ان امريكا تتوقع من هذا الصحفى الكبير ان يلبى لها طلبات غير عاديه لاهدف لها سوى تحقيق المصالح الامريكيه.
[ انتهى الاقتباس نقلا عن فؤاد زكريا ، رحمه الله ، وليس القصد منه ان اشير الى تلك العلاقه الغريبه بين هيكل والولايات المتحده ..وذاك سوف ياتى دوره فيما بعد ..وانما ان ادلل على بعضا مما تقوم به منظومه العلاقات الخاصه بالكاتب محمد حسنين هيكل فى التخديم عليه .
# الفرصه والمهله
[ وبغض النظر عن ان (الهيكلين ) يشنون حملات تشويه ضد من يخالف معتقدهم فى تقديس واتباع الكاتب هيكل ، او يفرضون سياجا مضادا لاى من الافكار التى تنقده ،فان ماهو اهم فى ذلك الامر هو انه على كثره الاتباع لم يسع متعمدا الى ان تكون له مدرسه ..ولم تتبللور له نظريه صحفيه يمكن ان تتبع ..على عكس جميع وكافه الاساتذه الكبار الذين عاصرهم ..ولم يمهلم العمر نفس الفرصه التى اعطاها له (امد الله فى عمره).
[ بمعنى اوضح ، يمكن القول ان لدى الاستاذ احمد بهاء الدين رحمه الله تلاميذ ومتبعى منهج ، وبالمثل يوجد من هم من روافد نابعه من مدرسه الاستاذ احسان عبدالقدوس ..وكذلك الاستاذ الكبير الراحل مصطفى امين ..والاستاذ الكبير الراحل صلاح حافظ ..والاستاذ الكبير الراحل جلال الحمامصى ..والاستاذ الكبير الراحل موسى صبرى ..وغيرهم كثيرين ..وفى المقابل لدى هيكل معجبين ومريدين ..لكن ليس لديه مايمكن وصفه بانه مدرسه صحفيه .
[ ان تلك نقطه حيويه جدا فى التقييم ..بناء على ماذكرته فى بدايه تلك الحلقات..ذلك ان ميل الصحفى النفسى الى "النرجسيه" وعشق الذات ..يكون خطيرا جدا مع تضخم مكانته واتساع شهرته..فاذا لم يسيطر الصحفى على نرجسيته ..بقدر هائل من التواض
المزيد